الاثنين، 17 يونيو 2013

آخر صرخة قبل الطوفان


في خضم الجنون في المسألة السورية، تغيب إسرائيل عن الإجندة الإعلامية؛ ويغيب التعبير عن اغتصابها للحق العربي ، ويغيب خنقها للفلسطينين – إن كان في غزة أو في الضفة الغربية الفلسطينية – ويغيب أيضاً تسليط الاضواء الإعلامية الكاشفة عن الدور الإجرامي الذي تلعبه في المشروع الإثيوبي، الذي يهدد بقطع شريان حياة مصر والسودان ؛ والأهم من كل ذلك ، تولد إزاحة الأضواء الإعلامية عن الجرائم التاريخية لإسرائيل مزاجاً عاماً لدى الإنسان العربي وفي الموقف العربي والاسلامي عامة بان مرتبتها أضحت ثانية أو ثالثة في المواجع والهموم العربية، أي بعد إيران وإجرام النظام السوري . وهذا أمر سخّرت إسرائيل تاريخيا ماكينة العالم الإعلامية لتنجز ولوحيزا بسيطاً منه، ولم تفلح؛ وها هو يتحقق لها على اهون سبب. ما معنى أن تملأ الأثير عبارات مدعومة بالصور الدموية تقول إن ما يفعله النظام السوري بشعبه لايمكن أن تفعله إسرائيل بالشعب السوري الذي يعاديها؟ وعندما يكون هواية دائمة لإسرائيل أن تسبح ليل نهار بإجرام هتلر بحق اليهود ، وياتي ذكر هتلر خمسين مرة في توصيف شبيه لما يحدث في سوريا؛ فأي منجز تحققه إسرائيل بذلك؟! عندما يكون هناك استعداد لدى اسرائيل ان تؤذي أقرب المقربين إليها (وأمريكا مثلٌ- عندما تكون مصلحتها على المحك) أيضيرها أن يحترق حزب الله الذي تستخدمه شماعة تهز كيان لبنان عبره كل فترة ؟ ألا تشعر بالنشوة لرؤية الاضواء اليوم مسلطة بالمطلق على حماقته الإجرامية في سوريا ؟ ألا يسعدها عندما تشهد ضياع مصداقيته وتعرّيه في الساحة العربية والإسلامية؟ لو لم تكن إسرائيل ترى في حزب الله حليفاً لها ولحليفها ، أكانت سمحت له بالتمدد باتجاه نجدة الحليف الآخر ؟ ولو كان فعلاً خصماً ، أليس الوقت الأنسب لسحقه حصراً في لحظة التمدد هذه؟ كم سعت إسرائيل ولا تزال لكسر إحساس العدوانية في محيطها تجاه اغتصابها للحقوق العربية وحرف الانظار باتجاه إيران ، ولم تفلح؟ أي شعور تشعره الآن إسرائيل وهي ترى شبه إجماع عربي واسلامي بان إيران هي العدو الأول للعرب والمسلمين ؟! بعد الحرب العراقية – الإيرانية المجنونة التي زاد في أوارها التحريض الامريكي والشيطنة الإسرائيلية وأحقاد نظام الاسد الاب ؛ الم تستعر تلك الروح العدائية تجاه إيران في الوطن العربي؟ عندها اختلطت الأوراق والأولويات وبدأت إسرائيل تشعر بشيء من الإنفراج لوضعها في مصافي إيران من الناحية العدائية عند كثير من العرب. لم يبق أحد إلا ووصف تلك الحرب بالعبثية والمجنونة بما في ذلك أولئك الذين كانوا يزيدون سعيرها. اليوم ؛ كل ما يمكن ان يؤجج الحرب بين ( السنة والشيعة ) يتم استخدامه من خلال حملة إعلامية منظمة . ألا يتم استحضار ” صدام حسين (محارب الفرس)و(صاحب القادسية الثانية) بين فينة وأخرى؟! يرى مراقبون أنه في منتصف الثمانينات وبعد انهيار العدو الشيوعي للغرب ؛ كان لابد من خلق عدو حتى يبقى العالم في حالة توتر كي يسهل السيطرة عليه. ولا بد وأنه تم الاتفاق على أن الإسلام هو العدو الأنسب. أما المسألة الأخطر في هذا السياق فكانت القرار بأنه لا بد للإسلام من أن يأكل ذاته بذاته ؛ ومن هنا هذا التطاحن السني – الشيعي. ويبدو أن الامر لم يحتج إلا إلى عود ثقاب وآلة قتل تستنزف الموارد والطاقات للمتعاركين ؛ إضافة إلى ماكينة إعلامية تنفخ تأجيجياً في كل الاتجاهات . هل شهد العالم أو المنطقة تحديدا خطاباً إعلامياً طائفياً ينحدر إلى هذا الدرك من القذارة؟ كم هي نسبة الحديث عن جرائم إسرائيل حتى في ضخ وسائل التواصل الإجتماعي إذا وضعنا الإعلام التقليدي جانباً؟ لنسلّم بأن إيران عدوة للعرب وتسبح في المقلب ذاته مع اسرائيل وخطرها أكبرلأنها تقدم نفسها كصديق وكحامية للإسلام وللقدس ولفلسطين، وإن كانت إسرائيل واضحة لا تبطن عدوانيتها أو عدائها ؛ أليس من الضروري على الأقل تبيان عائدية وجذر المصائب التي نمر بها وخاصة ان إسرائيل تغوص حتى أذنيها بمصابنا الكبير؟! لقد عبّرت إسرائيل على الدوام بأنها الشريك الأساس للوللايات المتحدة الامريكية في محاربة الإرهاب . ألا تستطيع إسرائيل اليوم قلع عين العالم بأن مقولاتها ورسائلها الإعلامية كانت دقيقة؟ الم يكن النظام السوري بمقاربته للمسألة السورية الأول في تعزيز مقولاتها تجاه الإرهاب ؟ لم يكن أحد ضمن المعمعة السورية قد سمع بـ ” جبهة النصرة” عندما وضعتها امريكا على قائمة الإرهاب. ألم تُطل هذه الإهزوجة الشيطانية المتعلقة بالإرهاب عذابات السوريين في النزف والدمار؟ ومَن سوّق للنظام هذه الإهزوجة إلا الإعلام الغربي الذي أشاح بطرفه بشكل ملفت للانتباه عن حقيقة ما يجري في سوريا؟ الإعلام الغربي غاية في النفاق : تتعثر دجاجة في مكان ما في هذه الكرة الأرضية؛ فتقوم الدنيا ولا تقعد إعلامياً. بالنسبة لهذا الإعلام – الذي ما فتئ الإعلام التابع يقلده ويواكبه – نراه يقارب ما يحدث في سوريا بطريقة لا تقل إجراما عما يُرتَكَب من جرائم في سوريا : * نصف سوريا تدمر وتشرد ولا يزال يتحدث عن القاعدة والنصرة التي صُوّرت كمعادية للغرب ؛ وهي أساساً صناعته . * نظام على رؤوس الأشهاد يستخدم أسلحة محرمة دولياً ؛ولا يزال الغرب عبر إعلامه يكرس ضرورة التأكد من الإستخدام . * عشرات آلاف الأطفال تسحقهم الطائرات الحربية بصواريخها وبراميلها، وكأن الحديث يجري عن ارتفاع في درجة الحرارة في شرم الشيخ أو فلوريدا . * الـ cnn أو الـbbc أو france24 يمكن ان ترغي أياماً إن مرَّ فلسطيني بجانب مستوطن إسرائيلي وكان عابساً؛ ولن تجدها تتردد في نقد حكوماتها على تقصيرها مع إسرائيل تجاه هذا الإرهاب الفلسطيني. والآن؛ بالنسبة لسوريا يرى بعض المراقبين أن إسرائيل قد وضعت في راسها احد أمرين وعملت على إقناع أمريكا، التي لا تحتاج إلى إقناع، و إقناع الروس ،الذين لعبوا دوراً قذراً مدمراً لسمعة روسيا، بأن يبقى هذا النظام المريح أو تتحول سوريا إلى حالة كسيحة . من هنا يمكن القول إنه إذا كان الشعب السوري هو الخصم الحقيقي لإسرائيل وليس النظام ؛ فهل تحتاج إسرائيل في خضم هذه المعمعة أن تشوّه سمعة هذا الشعب إن كان نظامه ذاته يصفه بأقذع النعوت : (جراثيم؛ مندسين ؛ إرهابيين ؛ تكفيريين ؛ مخربين ؛ طائفيين؛ قاذورات يجب ان يتخلص الجسم منها ؛ رخيص قابل للبيع والشراء) ؟ للأسف لم يدرك النظام ذاته أن اسرائيل لم توفره ؛ فهي أيضا استخدمت الماكينة الإعلامية العالمية وبهدوء شديد للمآجرة به بوصفه بما يستحق . ربما أمل كثيراً أن تأتي لنجدته بطريقة ما ؛ ولكن الآمال خابت ؛ فكان ان اهدته معونة حزب الله ليذهب الإثنان إلى الجحيم . وهذا مصير من يرخص من أجل مذاق السلطة . ما تم تقديمه ليس دعوة لشن حملة إعلامية على إجرام إسرائيل أو لتخفيف الحملة عن إيران وموقفها الإجرامي تجاه المنطقة بل دعوة إلى إبقاء البوصلة الدماغية فعالة ومتأهبة وتؤشر إبرتها إلى الاتجاه الصحيح وإلى عدم الضياع في متاهة خلط الأوراق . إن سحب المنطقة العربية والإسلامية إلى ساحة التطاحن الطائفي هو المطلوب عالمياً وخاصة من قبل إسرائيل وأمريكا؛ وإن وجد هذا العالم في الأداة الإيرانية و”خشخيشته” حزب الله القفاز المناسب لتحقيق مآربه ، فيجب ألا يُفسَح لهم في المجال أن ينجو بفعلتهم. على الثورة السورية ومن يدعمها بحق أن يقاوم هؤلاء ليس تحت يافطة طائفية كما يبغون بل كمعتدين مجرمين بحق شعب يريد حريته دون اعتبار لأي انتماء ديني او طائفي. على الرسالة الإعلامية المترجمة للفعل الثوري أن تتمحور بهذا الاتجاه فقط. قد لا تنفعنا الآن صرخة ” وامعتصماه !!” لأن هناك من هو جاهز لإساءة تفسيرها كرسالة إعلامية؛ تنفع الآن صرخة ووقفة الوعي والدعم لثورة سوريا لتقف في وجه مخطط جهنمي لن يستثني أحدا... د. يحيى العريضي – كلنا شركاء

ليست هناك تعليقات: