الأربعاء، 15 أكتوبر، 2014

مرح البقاعي :”العلوي تفجّر” في حي المهاجرين



ماهذه “اللطمية” التي لا تتوقف عن الاستشهاد بها وتقول أنها أصبحت ظاهرة متداولة في شوارع دمشق وأحيائها، سألت صديقي الناشط في غوطة دمشق، وهو المحامي في سنته الأخيرة بكلية الحقوق وقد اضطر إلى تعليق دراسته والالتحاق بالجيش الحر للدفاع عن أهله في مدينته دوما؟

اللطميات هي مسيرات دينية ينظّمها المتشدّدون من الشيعة العرب والإيرانيين، وعادة ما يرافقهم أطفال وقصّر، حيث يمارسون طقوس مازوشية من ضرب وتعذيب لأجسادهم على الملأ، وفي مواكب سيارة. وغالباً ما تكون المبالغة في لطم الصدر العاري، والتي يصاحبها في موسم عاشوراء طقوس دموية من تجريح الرأس والصدر بالأمواس والسكاكين الحادة وكذا إللحاق الأذى بالبدن تحت ضربات الجنازير، غالباً ما تهدف إلى استفزاز الجمهور وعرض عضلات التفوق المذهبي والسطوة الطائفية في بيئة مضادة. وظهور اللطميات، على حين غرة، في المحيط السني الدمشقي إنما يدفع إلى السطح بأداة من أدوات القمع السياسي الذي أنتجه النظام بتحالفه مع الميليشيات الشيعية في إيران والعراق ولبنان؛ تلك المجموعات المسلّحة التي تحارب من أجل بقائه من جهة، وامتدادها من جهة أخرى، على طول وعرض الأرض السورية.

هذا ماقاله صديقي الناشط الذي لم يغادر ريف دمشق، وأعرب عن امتعاضه من مشاهد اللطميات المتكررة وهي تتحرك بحرية كاملة، وبأجساد مريديها شبه العارية والمدماة، في الأحياء السنية المحافظة من العاصمة دمشق، وفي أسواقها القديمة، وحتى داخل حرم جامعها الأموي، إمعاناً في التحدّي والاستفزاز لمشاعر الدمشقيين الدينية وتقاليدهم الاجتماعية وذاكرتهم الثقافية والوجودية.

وليزيدني صديقي من البيت شعراً ومن الألم قهراً أرسل لي شريط لأغنية على اليوتيوب قال لي أنها تصدح على حواجز النظام ليل نهار في الحي الذي ولدتُ ونشأتُ فيه: المهاجرين؛ أما عنوان الأغنية فهو: المدّ العلوي تفجّر والحلم الأموي تكسّر.

من نافل القول أن هذه الجائحة العقائدية ليست سوى انعكاس كيدي لتهاوي النظام وانحسار قدرته في السيطرة العسكرية والأمنية على الشارع السوري، فما كان له إلا أن يلجأ إلى القمع المذهبي الترهيبي لأهل دمشق الذي غالبيتهم من السنة المعتدلين، والذين لم يعتادوا، في تاريخهم البعيد أوالقريب، على أن يكونوا شاهداً حيادياُ على اختراق بيئتهم من أيٍّ من مظاهر التطرف الديني، شيعياً جاء أم سنيّاً.

أما النظام السوري المتهالك ببطء رغم وقوف قوتين كبرتين إلى جانبه وإمدادهما له بالخبراء والأسلحة والدعم الإعلامي والسياسي في المنابر والمحافل الدولية، فلم يستطع ــ حتى تاريخ كتابة هذه السطورــ حسم معركته مع المعارضة المسلحة، في حين لجأ إلى جولات الترهيب الطائفي الدموي، وإلى حقن النفوس بأحقاد وعقد التاريخ المتراكمة، ليفجّر صاعقها دفعة واحدة حين تنسدّ في وجهه كل سبل الخلاص ولاسيما بعد أن بدأ التحالف الدولي غاراته الجوية المباشرة على شمال سوريا في حملة عسكرية ضاربة، غير محدودة الزمان والمكان، بدأت في الرقة ولن تكون نهايتها هناك.

فبشار الأسد “العلوي”، الذي يشترك في مقتل أكثر من 65 ألفاً من العلويين في حربه الشعواء على المدن والآهلين، يجد نفسه مضطراً إلى نشر مناخ الأبارثيد الطائفي في بنى النسيج الاجتماعي السوري المتهتك تحت ضربات منجل الموت الذي حصد مئات الآلاف من الحيوات، من المعارضة والموالاة، وقد بدأ الشعور باللاجدوى والنقمة يتسلل إلى قلوب أتباعه ومواليه الذين تعبوا من الموت الدوّار في بيوتهم، وأصبحوا يدركون عبثية ما جرّهم إليه الأسد وعائلته من أجل بقائهم في الحكم مهما كان الثمن غالياً، ومهما اتسع حجم هذه المحرقة.

وليست طقوس اللطم في دمشق إلا مظهراً من مظاهر تلك النوايا الأسدية المبيتة لشق الصف، ورسم الخط الأحمر بين شيعي وسني، بما يحفظ التفوق العلوي على مستوى الإحكام على السلطة من طرف، وكسر شوكة أحفاد الأمويين (كما تقول أغنية علي بركات) من أجل القبض على العاصمة رهينةً، من طرف آخر.

أما حافظ الأسد، أبو الفتنة بلا منازع، فقد لعب على الحبل الطائفي بباطنية بليغة، وتقلّب ببهلوانية بين معتقد علوي/ شيعي مرّة، وسنّي مرّات، حسب ما استدعيه حاجته السياسية والدستورية في ذاك الوقت للقبض على خنّاق الدولة والرعية.

وأما الابن الغرّ بشار، فقد أدار كؤوس أبيه الزعاف بجهالة وغطرسة تربّى عليها على مائدة الأسد الطائفية الغنية بكل مصطلحات التفرقة والهدم المجتمعي، والمضرّجة بعنف دموي رسمت العائلة على نهجه حدود سلطتها التي وضعت حركة الحياة السياسية والعلمية والاقتصادية السورية في ثلاجة الموتى، وها هي تدفع ما تبقى من البلد لقمة سائغة بين أنياب وحش التطرّف والاستبداد الديني الذي لم يكن إلا وليد الاستبداد السياسي وقد سقطت سوريا في شركه لعقود أسدية قهرية أربعة.

فصل المقال يأتينا من نيويورك، حيث ألقى الرئيس الإيراني حسن روحاني كلمته في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة مشدّداً على أن “محاربة الأسباب الكامنة وراء الإرهاب تحتّم معرفة جذوره وتجفيف ينابيعه من الفقر والتمييز والإذلال والظلم، ومن ثقافة العنف وسفك الدماء باسم الدين”. واتّهم روحاني أجهزة استخبارات (لم يحدّد هويتها) بأنها “وضعت سكاكين في أيدي متطرّفين ومجانين، وأن عليها أن تعتذر من هذا الجيل والأجيال المقبلة”.

السيد روحاني.. إذا كانت الاستخبارات الدولية قد وضعت سكاكين في أيدي متطرفين ومجانين، فمن وضع السكاكين في أيدي أصحاب اللطميات؟ وهل سيعتذر أصحابها من الجيل السوري على نشر ثقافة العنف الجوّالة بين أبنائه، تلك الثقافة التنازلية التي لم تساهم فقط في تغيير مجرى حياته وحسب، بل وفي إنهائها في معظم الحالات؟!


ليست هناك تعليقات: